على الرغم من مرور 34 عامًا على ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أبشع جرائمه على مدار العقود، إلا أن الذاكرة الفلسطينية واللبنانية تأبي أن تنسى هذه الذكرى الأليمة التي امتزجت فيها الجثث والأشلاء بالمنازل المدمرة ورائحة الحرائق، لتبقى المجزرة بكل تفاصيلها حاضرة دومًا في ذاكرة الفلسطينيين، لتوصف من قبل من عايشوها بأنها “الأبشع في التاريخ الإنساني”.
في السادس عشر من سبتمبر عام 1982، استيقظ الفلسطينون في مخيم صبرا وشاتيلا على أسوأ مذبحة شهدها هذا الشعب المقاوم في دول الشتات، حيث ارتكبتها قوات الجيش الصهيوني بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي الذي أسسته إسرائيل أثناء اجتياحها لبنان في يونيو عام 1982، وهرب أغلب عناصره إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000، والقوات اللبنانية التي تعتبر الجناح العسكري لحزب الكتائب المسيحي، واستمرت المجزرة لمدة 3 أيام، ليقع خلالها عدد ضحايا يتراوح بين 3500 إلى 5000 شهيد من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ المدنيين العزل، من أصل 20 ألف نسمة كانوا يسكنون المخيم وقت حدوث المجزرة.
بدأت المجزرة عندما كان المخيم مطوقًا بالكامل من قبل قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي وذلك بعد اجتياح إسرائيل للبنان، حيث تعرض المخيم لقصف متواصل خلف دمارًا هائلًا وأسقط عشرات الضحايا على مدار 88 يومًا من الحرب والحصار لبيروت ومخيماتها، وقد بدأت القوات المعتديه بالتمهيد للمجزرة خلال يومي 13 و14 سبتمبر عام 1982، أي بعد اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب، بشير الجميل، في 14 سبتمبر، حيث غادر مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية وفقًا لنص اتفاق تم توقيعه بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية في 24 يوليو عام 1981، ويقضي بوقف إطلاق النار بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وانسحاب مقاتلي المنظمة مقابل التعهد بحماية المخيمات واللاجئين في لبنان، وعدم دخول الجيش الإسرائيلي لبيروت مع نشر قوات متعددة الجنسيات لضمان تنفيذ الاتفاق.
تقدمت القوات الإسرائيلية التي كانت تحت قيادة وزير الدفاع حينها، أرئيل شارون، بمساندة جيش لبنان الجنوبي والقوات اللبنانية باتجاه المخيم ونشرت عشرات الدبابات على أطراف مخيم صبرا وشاتيلا فأحكمت حصارها على المخيم، بحجة وجود 1500 مسلح فلسطيني داخل المخيم، وبدأت تنفيذ المجزرة بدم بارد، مستخدمة الأسلحة البيضاء وغيرها خلال عمليات التصفية لسكان المخيم العزل، كما سعى إلى عزل المخيم ومحاصرته وإنارته بالقنابل المضيئة ليلًا لمنع هروب أي شخص منه، وعلى مدار الأيام الثلاثة ارتكبت المجموعات الانعزالية والجنود الإسرائيليون مذابح بشعة ضد أهالي المخيم العزل، وثقتها بعض الصور والشهادات التي نُقلت عن شهود العيان، ومن بينها مشاهد لنساء حوامل بُقرت بطونهن وألقيت جثثهن في أزقة المخيم، وأطفال قطعت أطرافهم، وعشرات الأشلاء والجثث المشوهة التي تناثرت في الشوارع وداخل المنازل المدمرة.
على الرغم من بشاعة المجزرة وتوثيقها من قبل جميع منظمات المجتمع الدولي، إلا أن الجناة وقادتهم لم يقدموا إلى أي مُحاكمة ولم يُعاقبوا على أي جريمة ارتكبوها، واقتصر الأمر على لجان تحقيق خلصت إلى نتائج لم تلحقها متابعات قانونية أو أحكام، حيث شكلت إسرائيل عام 1982 لجنة تحقيق قضائية للتحري في ظروف المجزرة والمسؤولين عنها، وهي لجنة مستقلة ضمت ثلاثة أعضاء وعرفت بلجنة كاهان، واستنتجت اللجنة أن المسؤول المباشر عن مجزرة صبرا وشاتيلا هو اللبناني “إيلي حبيقة” مسؤول مليشيات حزب الكتائب آنذاك، الذي قتل بتفجير سيارة مفخخة في بيروت عام 2002، وأن وزير الدفاع “شارون” وعددًا من الضباط الكبار في الجيش الإسرائيلي كانوا مسؤولين مسؤولية غير مباشرة عن هذه المذابح، وبعد إعلان نتائج التحقيق أرغم شارون على الاستقالة من منصبه لكنه احتفظ بمنصب وزير بلا حقيبة في الحكومة.
في تجديد للألام العربية، نشر رئيس تحرير صحيفة هآرتس العبرية، ألوف بن، بالتزامن مع إحياء الشعب الفلسطيني لذكرى المجزرة خبرًا عن قيام جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي بإعدام عشرات الأسرى في إحدى الحروب السابقة، ولفت في سياق تقريره إلى أن الضابط الذي أصدر الأمر بالقتل تم تقديمه للمحاكمة إلا أن عقابه كان مثيرًا للسخرية، حيث رُفعت الرتبة العسكرية للضابط المسؤول عنه بدرجةٍ عاليةٍ، وتم إدخال القضية في خانة السرية بأوامر من الجهات العليا ذات الصلة، وأكد التقرير أن جنود الاحتلال الإسرائيلي أقدموا على تنفيذ مجازر وارتكاب جرائم مشابهة، دون أن يُقدم أحدًا للمحاكمة.

المحور الإخباري
