تتسارع الإشارات من داخل العائلة السعودية الحاكمة على صراع النفوذ الدائر بين أفرادها من أمراء الجيلين الثاني والثالث، في انتظار رحيل آخر أبناء الجيل الأول الملك الحالي سلمان بن العزيز. انتقل الصراع بين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان الى مرحلة جديدة، مع بدء تعبير واشنطن بشكل علني عن استيائها من الثاني، بعدما تعاطت معه لفترات طويلة على أنه وريث العرش المحتمل، بحكم الأمر الواقع الذي فرضه والده من خلال التغييرات الكبيرة التي أجراها على مؤسسة الحكم وهيكليتها.
لم يأتِ بيان استقالة الأمير خالد بن طلال، ابن شقيق الملك سلمان، وشقيق رجل الأعمال البارز الأمير الوليد بن طلال، من جميع مناصبه الإدارية والشرفية والتجارية، من خارج سياق الصراع الدائر بين أعضاء عائلة عبد العزيز آل سعود، مؤسّس المملكة. قال الأمير المستقيل في قراره المفاجئ، إن الاستقالة جاءت في هذا الوقت “الخطير والعصيب، ولعدة أسباب شخصية تثير الدهشة يعرفها القلة، والتي سنقوم بالإفصاح عنها إذا اضطررنا إلى ذلك”.
معلومات مصادر متابعة تشير الى استعار الصراع على المناصب والصفقات بين آل سعود. تكشف المعلومات عن حملة اعتقالات طالت عدداً كبيراً من الأمراء السعوديين، وُضع عدد منهم قيد الإقامة الجبرية، فيما تمكّن آخرون من الفرار. بالطبع، تُحاط هذه الإجراءات بالكثير من الحرص بعيداً عن وسائل الإعلام، لكن ما ساعد على عدم انتشارها بشكل واسع، هو كون العدد الأكبر ممَّن طالتهم هذه الإجراءات من الأمراء الشباب الذين لم يتمكنوا بعد من نسج شبكة علاقات إجتماعية واقتصادية ضخمة كالتي يملكها الأمير المستقبل خالد بن طلال أو شقيقه الوليد مثلاً.
حالة عدم الاستقرار التي تشهدها قصور العائلة الحاكمة، تردها المصادر في الأصل الى احتدام الصراع على خلافة الملك سلمان، بين ولي عهده محمد بن نايف وولي ولي عهده، ابنه محمد، مع بدء مسؤولين كبار في الادارة الأميركية بالتعبير بشكل علني وغير مسبوق عن استيائهم من اداء الأمير الشاب الذي أُنيطت به صلاحيات واسعة بدءاً من العسكر وصولاً الى الاقتصاد، في سياق عملية تحضيره ليصبح السعودي الأقوى والأقدر على تولي العرش. طبعاً، لا تكتمل عملية من هذا النوع من دون موافقة، أو على الأقل غض نظر، من قبل واشنطن التي كانت تعتبر بن نايف رجُلها الأول في السعودية. معلوم أن واشنطن تعاطت بادئ الأمر بواقعية مع مساعي الملك تقديم نجله الى الواجهة، خصوصاً بعدما تمكن الأمير الشاب من فرض نفسه على الساحة السعودية، وإبعاد الأضواء عن منافسه القوي. لكن اليوم، ثمّة تغيّر في التعاطي الأميركي هذا.
تقول المصادر إن مراكز القرار في واشنطن بدأت تنظر بسلبية الى محمد بن سلمان. أسباب كثيرة تسوقها المصادر لتبرير عدم تحمّل الأميركيين لبن سلمان، أبرزها تورطهم بالوحل اليمني. لكن القطرة التي جعلت كأس الصبر الأميركي حيال بن سلمان يفيض، كان قرار سحب الخبراء الأميركيين الذين يسعادون الجيش السعودي في عدوانه على اليمن. يومها، أراد الأميركيون، في سياق العديد من الرسائل والإشارات، إفهام بن سلمان أن الوقت قد حان لوضع حدّ لمغامراته في اليمن، والتي بدأت تداعياتها تمسّ بصورة الولايات المتحدة وسمعتها. غير أن بن سلمان لم يلتقط الإشارات جيداً، أو تصرّف على نحو أراد من خلاله القول للأميركيين إنه، كما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يمتلك هامشاً واسعاً من إستقلالية القرار تمكّنه من التصرّف بخلاف المصالح الأميركية في المنطقة. ردّ بن سلمان على الخطوة الأميركية، واستأجر خبراء عسكريين من فرنسا. فسّر الأميركيون الأمر على أنه تحدٍّ لإرادتهم بوقف الحملة على اليمن. صحيح أن الأميركيين ردّوا على ردّ بن سلمان، بما عُرف بـ”مبادرة كيري” حول اليمن، لكن ثمة أصوات في مركز القرار الأميركي بدأت تنظر الى بن سلمان على أنه “متهوّر وغير ذي خبرة”، وتنصح بتقوية موقف بن نايف.
التنقّل الأميركي بين بن نايف وبن سلمان، يسعّر النار المتّقدة تحت الخلافات بين الأمراء وأجنحة العائلة الحاكمة، وأيضاً يؤثّر في المسارات السياسية في بعض البلدان التي تخضع لتأثير سعودي قوي. لبنان مثال حيّ على ذلك. خرج وزير العدل المستقيل أشرف ريفي قبل أيام ليشن هجوماً عنيفاً على رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، المحسوب من ضمن خصوم بن نايف اللدودين، فيما يُعتبر ريفي رجُل بن نايف في لبنان.
بالعودة الى علاقة واشنطن بالعائلة السعودية الحاكمة، تقول المصادر إن الأميركيين لا يمكن أن يسمحوا للخلافات السعودية – السعودية أن تتفاقم الى الحد الذي تُصبح فيه تهديداً لاستقرار نظام الحكم في السعودية، إذ لا تزال واشنطن ترى في نظام الرياض شريكاً استراتيجياً وغنيّاً في المنطقة، تمتد تأثيراته من الإقليم لتطال العالم. غير أن الإدارة الأميركية تمتلك الكثير من أدوات الضغط التي تمكّنها من إعادة السعوديين الى الخطّ المرسوم فيما لو “شردوا” كثيراً خارجه.
من يدفع ثمن الخلاف داخل الاسرة المالكة ؟
في سياق سياسة العصا والجزرة يأتي سماح الكونغرس الأميركي لأقارب ضحايا العمليات الإرهابية برفع دعاوى قضائية ضد السعودية لعلاقتها بالعمليات الإرهابية، التي نفذت في 11 أيلول 2001 في نيويورك. ويأتي أيضاً التوقّع بأن يستخدم الرئيس الأميركي باراك أوباما حق النقض عند عرض مشروع القانون على رئيس الدولة للتصديق عليه. وأيضاً إمكانية الالتفاف على حق النقض إذا نال مشروع القانون هذا ثلثي الأصوات في مجلسي النواب والشيوخ.
وفي السياق نفسه، يأتي ما كشفه السفير الأميركي السابق في العراق زلماي خليل زاد، في مقالة له في “بوليتيكو مغازين”، أن مسؤولاً سعودياً رفيعاً اعترف له مؤخراً بدعم الرياض للجماعات المتطرفة منذ الستينيات. وحديثه عن برنامج سعودي لتحديث النظام يتضمن عدّة خطوات أبرزها تطهير الحكومة من المتطرفين، وتعيين رجال دين جدد لمواجهة التطرف، ووضع قيود جديدة على قدرة الشرطة الدينية، وإعادة هيكلة منظمة التعاون الإسلامي، التي تشكل الأداة السعودية الرئيسية في دعم الحركات الإسلامية في الخارج. وسط توقعات بأن يؤدي هذا الصراع الذي وُضع في إطار “الصراع بين الحداثة والاسلاموية” الى دخول السعودية في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، تلعب فيها اليد الأميركية الدور الأبرز في تحديد هوية حكّام المملكة للمرحلة المقبلة.
بقلم : حمزة الخنسا
المحور الإخباري
