إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الدول يكمن في إصابة قادتها بجنون «العظمة»، فيتوهمون بوجود أعداء يتربصون بهم، ويعتقدون أنهم «قادرون على قهر» كل هؤلاء الأعداء المفترضين بالعنف وقوة السلاح، ليكتشفوا أنهم أعجز من أن ينجزوا عملاً كهذا… وغالباً ما يأتي هذا الاكتشاف بعد مغامرات فاشلة، تضع دولهم على حدود المنحدر الذي يؤدي إلى الهاوية، والأمثلة التاريخية على ذلك أكثر من أن تحصى، وأشهرها: جنون نيرون وهتلر وموسوليني، وحديثاً رجب أردوغان وغيرهم.
وجنون «العظمة» في المفهوم العلمي، مصطلح يشير لحالة من الوهم، يبالغ الإنسان فيها بوصف نفسه بما يخالف الحقيقة، فيعتقد «بامتلاك قدرات استثنائية، أو مواهب فريدة أو أموال طائلة أو علاقات متميزة مع قوى عظمى ليست موجودة في الواقع»، ما يدفعه للتورط في نمط من السلوك التشنّجي العدواني السلطوي في تعامله مع الغير، فتتولد المواقف المعقدة التي يصعب تجاوزها والخروج منها إلا بأثمان باهظة.
وهذا التوصيف ينطبق تماماً على حكام بني سعود الذين بالغوا في تقدير «قدراتهم» السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى حدٍّ يخالف المعقول، فاعتقدوا واهمين أنهم «دولة عظمى» لمجرد امتلاكهم الأموال الطائلة، ولعلاقتهم التي يحسبونها «استراتيجية» مع الولايات المتحدة، ولإنفاقهم السخي على سلاحهم وتحديثه المستمر، ما جعلهم مؤهلين للإصابة بهذا المرض، الذي تجذّر في وعيهم، فأضحى مرضاً مزمناً يتوارثه الخلف عن السلف.
وجنون «العظمة» الذي يعتري حكام بني سعود ليس وليد اليوم، فهو يعشش في عقولهم منذ تأسيس مملكتهم التي حملت اسمهم، فالأب المؤسس حين انطلق من الكويت باتجاه إمارة نجد، التي كان يحكمها آل الرشيد، ونجاحه في احتلالها بأقل من 100 رجل، لم يعد يَقنع بحكم ما هو أقل من الجزيرة العربية بأكملها، فانطلق بجيش من المرتزقة والمجرمين وقطاعي الطرق سمي «جيش الإخوان»، واستولى على ريف نجد، ثم الحجاز وريفها غرباً، ثم القطيف شرقاً، وبعدها توجه للجنوب إلى عسير، وتوقف على حدود اليمن التي ظلت غصة في نفسه، وانتقاماً منها أوصى عبد العزيز أولاده وهو على فراش الموت بقوله: «لا تدعوا اليمن يتحد»، لأن اليمن وقتئذٍ كان جنوبه منفصلاً عن شماله بسبب احتلال البريطانيين لمدينة عدن ومينائها وريفها.
وانطلاقاً من هذه المفاهيم العدائية المتوارثة، ارتكب النظام السعودي في عهد عبد الله، ومن بعده سلمان بني سعود حماقات كبرى في كل من ليبيا والعراق وسورية ولبنان. وكان آخر الحماقات وأشرسها العدوان المباشر على شعب ومقدرات اليمن، حين استهدفت الطائرات بناه التحتية والفوقية، وموارده وثرواته الوطنية رغم ضحالتها، واعتدت بقصف مؤسساته الحكومية وقواته المسلحة، لتفكيك اليمن الموحد إلى شمالي وجنوبي تحت شعار «استقلال الجنوب» وكأن الجنوب اليمني لا ينتمي للوطن الأم، وهذه النيات المبيّتة لدى الحكام السعوديين، هي تطبيق أمين لوصية الأب المؤسس عبد العزيز بني سعود.
لقد جسّد وزير الدفاع السعودي المتغطرس محمد بن سلمان عُقد الأولين والآخرين، حين أعماه الغرور وخدعه الصلف، فوقف مع بدء العدوان على اليمن في إطار ما سمي «عاصفة الحزم»، يستعرض قواته واصفاً سلاحه الجوي بأنه من «أقوى الأسلحة الجوية في العالم»، ومطلقاً على سلاحه البحري بأنه «يفرض سيطرته على المنطقة برمتها» فقد نشر موقع «بانوراما الشرق الأوسط» اللبناني النص الكامل للبيان الناري الصادر عن وزير الدفاع السعودي، عقب امتناع بعض دول «التحالف» عن المشاركة في العدوان على اليمن. ومما جاء فيه: «نحن لسنا بحاجة للدعم الجوي والبحري من أحد، فقواتنا الجوية تُعد من أقوى القوات في العالم، كما أن القوات البحرية لدى المملكة تسيطر على المنطقة بأسرها، ولن نحتاج لمساعدة أحد، والنصر حليفنا مهما خذلنا الخاذلون».
وفي تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في 23/10/2016 قالت فيه: «إن جنون العظمة لدى بني سعود قد ورطهم بحرب اليمن، وأن عليهم إنهاء هذه الحرب». وأكدت المجلة الأمريكية أن: «جنون العظمة منذ فترة طويلة هو أساس السياسات السعودية». وأشارت «فورين بوليسي» إلى التعاون الأمريكي – السعودي في الحرب على اليمن، فأوضحت أن النظام السعودي طلب دعم الولايات المتحدة وأنهما تشاركا العمل ضمن الأجواء اليمنية، لكن الجريمة الشنعاء التي قام بها سلاح الجو السعودي في 8 تشرين الأول2016 حين استهدف مجلساً للعزاء أوقع أكثر من 458 من القتلى، وأكثر من 500 جريح، أحرج الحليف الأمريكي، ما دعاه لتقليص مستويات التعاون بينهما.
لم يكن هذا التقليص هو رد الفعل الوحيد على مجزرة مجلس العزاء، لأن أصواتاً بدأت تعلو، وضغوطاً أخذت تُمارس على الدول الغربية المنتجة للسلاح لوقف بيع الأسلحة والذخائر للسعودية. وكان قبل ذلك قد صدر قانون « العدالة ضد رعاة الإرهاب» المعروف بـ «جاستا» الذي زاد من عزلة السعودية وأفقدها الكثير من أصدقائها.
وعن الموضوع نفسه ذكر موقع «ذا ديلي بيست» الأمريكي في تقرير نشر بتاريخ 16 تشرين الأول 2016 قال فيه: «إن الضجة في الغرب ضد بيع الأسلحة إلى المملكة السعودية، تشهد نمواً يتزايد، ولاسيما في ضوء الحملة العسكرية ضد اليمن، وبسبب خرق السعودية للقوانين الإنسانية فيها»… وطبقاً للموقع ذاته: «إن الوضع ازداد خطورة عندما اتخذت الولايات المتحدة موقفاً متشدداً ضد السعودية، وهذا الأمر دفع السعوديين لأن يوظفوا شركات الضغط في واشنطن للدفاع عنهم وتغيير صورة نظامهم». وأكد الموقع الأمريكي: «أن السعودية اليوم في موقف لا تحسد عليه، وأن حكام بني سعود يتخبطون وهم يحاولون حماية عرشهم من التهميش والزوال».
ويحذّر الباحث الأمريكي بروس ريدل من مخاطر استمرار العدوان على اليمن الذي يتسبب في إيجاد كارثة إنسانية، لافتاً إلى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما يملك نفوذاً يمكنه من وقف هذا العدوان إذا أراد. وأضاف: إن «أفقر العرب يتعرضون لحصار جوي وبحري على أيدي أثرى العرب .. وبمساعدتنا». وفي هذا إشارة واضحة لتورط الولايات المتحدة في حصار وقتل شعب اليمن، يؤكد هذا التورط ما نشره موقع «ويكيليكس» مؤخراً من أن هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كانت تعلم أن السعودية وقطر كانتا تدعمان تنظيم «داعش» الإرهابي وأخواته، وأنها كانت راضية عن هذا الدعم والتمويل.
إن الغرور ومشاعر «العظمة» الزائفة التي لازمت حكام بني سعود، أعمت بصائرهم عن رؤية الحقائق، فاعتقدوا أن أموال النفط، «تخوّلهم أن يرسموا مستقبل الدول نيابة عن شعوبها»، فتورطوا ضد سورية بحرب فاشلة – خدمة للكيان الصهيوني- من خلال حرب بالوكالة قوامها «جيش» من الإرهابيين، يضم عشرات الآلاف من المرتزقة تمولهم السعودية وقطر، فارتدت بعض جرائم الإرهاب إلى عقر الدار التي انطلق منها، مع ترجيح الاحتمال بارتفاع وتيرته في المستقبل المنظور.
وفي جانب آخر شنَّ حكام بني سعود المصابون بجنون «العظمة» حرباً نفطية انتحارية ضد الدول المصدرة للنفط، وفي طليعتها روسيا وإيران وفنزويلا في محاولة بائسة للتأثير في قرارها السياسي الداعم للدولة السورية في تصديها للإرهاب العابر للحدود، فكان من نتاج هذا التخبط عجز مالي سعودي غير مسبوق، ينذر السعودية بكارثة اقتصادية تمهد للإفلاس، ما دعا لإعلان التقشف وتقليص الرواتب والخدمات، وربما ينتظر المواطن السعودي المزيد من المفاجآت مع تفاقم الأزمة، فالمملكة التي كانت تشتري مواقف الدول بأموالها، أصبحت تقترض المليارات للخروج من أزمتها المالية الخانقة التي جلبها بنو سعود لأنفسهم بسبب طيشهم وجهلهم بالنتائج المترتبة على أفعالهم الغبية.
وما زاد الطين بلة، الحرب العدوانية التي يشنها بنو سعود على اليمن منذ آذار 2015، والتكاليف الباهظة التي تتكبدها الخزانة السعودية، والتخبط الذي يعتريهم من جراء شعورهم بحجم التورط الذي وقعوا فيه بسبب غطرستهم وتقديراتهم الخاطئة لقدراتهم وقدرات الشعب اليمني، خاصة مع غياب المؤشرات أو البوادر التي تنبئ بوقف قريب للنزف الاقتصادي المريع، هذا فضلاً عن الإدانات المتزايدة للسياسة السعودية في المحافل الدولية.
وفي ظل مناخ سياسي ودبلوماسي كهذا، وصل بنو سعود إلى قناعة راسخة أنْ لا سبيل لوقف الحرب على اليمن إلا بوقفهم غير المشروط للأعمال العدوانية على هذا البلد الفقير، وهذا في حال حصوله يعني إقراراً بالهزيمة التي ستهز العرش السعودي من أركانه، وربما كان هذا الاهتزاز سبباً لسقوطه وزواله للأبد.
ونظراً لإدراك حكام مملكة الرمال لما قد ينجم عن الهزيمة في الحرب على اليمن من عواقب وخيمة، فقد سعوا جاهدين لتجنب هذه النتيجة المرعبة، بتصعيد عدوانهم وجرائمهم وزيادة إيلامهم لشعب اليمن، «لإجبار» الطرف المفاوض الممثل لهذا الشعب على قبول الشروط السعودية في المفاوضات التي جرت برعاية أممية، والتي توقفت بسبب الوصول إلى طريق مسدود.
أخيراً، إن مكانة السعودية التي توهمت أنها «تبوأتها» في الماضي، كانت تنطلق من مكانة النفط المخزون في أرضها، والذي تحاربت الدول من أجل الوصول لمنابعه، بمعنى أن قيمة السعودية كانت مرتبطة بقيمة نفطها، وعندما أصبح العالم يعوم على بحر من النفط بعد إغراق الأسواق العالمية بكميات فائضة من هذا الخام الأسود، وأصبح العرض أكثر من الطلب، تدنت أسعاره إلى مستويات قياسية، ما يعني أن «مكانة» السعودية تراجعت إلى مستويات موازية، تأثراً بنفطها الذي أراد بنو سعود أن تصل أسعاره إلى هذا الحد الذي يشبه المجان، كيداً بأصدقاء سورية وإضراراً بهم، فكان هذا الجنون وبالاً عليهم، قبل أن يؤثر في غيرهم.
بقلم : محمد إسماعيل حديد
المحور الإخباري
