يمثل فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية (8 تشرين الثاني الجاري) نقطة تحول في السياسة الأميركية، وخاصة مايتصل بطبيعة الخطاب السياسي والإعلامي، والتغير الواضح في طبيعة القضايا والأولويات لدى فواعل السياسة ومواقف الكتلة الناخبة في الولايات المتحدة، وصعوبة توقّع كيف يمكن للرئيس الجديد أن يحوّل فيها خطابه السياسي المثير للجدل إلى سياسات عملية، وماهي تداعيات ذلك داخل البلاد وخارجها. يمكن تقدير أن الرئيس ترامب يفكر –كأي سياسي قادم من عالم المال والأعمال- بمنطق الربح والخسارة وقد أظهرت الانتخابات وجود تغييرات ذات دلالة في الولايات المتحدة مثل: صعود اليمين، وبروز الشعبوية، وتزايد نبرة الخطاب حول المرأة والمهاجرين، والسجال حول الهوية والدور في العالم، والموقف من الإرهاب، والموقف من الحلفاء والخصوم الخ وهي تغيرات لعبت دوراً في فوز ترامب، وسوف يكون لها دور في تحديد سياساته وأولوياته. وقبل أن نذهب بعيداً في التوقع، علينا أن ندقق في أن السياسة في واشنطن لا تصدر عن الخطاب الانتخابي، وان ثمة عوامل عديدة تلعب دوراً في صنعها. وقد أحبط أوباما مثلاً ذلك القدر الضئيل من التعويل على وجود فروق ممكنة أو محتملة بين مرشحي الرئاسة في واشنطن وحتى بين الرؤساء، إذ سبق له أن قال كلاماً جميلاً عن تغيير سياسة بلاده تجاه العالم، ومنه الدول العربية والإسلامية، ولكنه لم يفعل شيئاً مما قاله أو وعد به، بل كانت سياساته تدخُّلية وعنيفة خلافاً لتقديرات منتقديه الذين اتهموه مثلاً بـ “التهاون” في موضوع الاتفاق مع إيران وفي الأزمة السورية. وقد أيد هيلاري كلينتون ضد ترامب.
يبدو فوز ترامب مناسباً للسوريين وذلك لأسباب عديدة، أولها: أنه أبعد كلينتون، المكروهة جداً في سورية، وأبعد معها خطابها العدائي تجاه بلدهم، كما أبعد – ولو بشكل غير نهائي- التهديد بتبني سياسات عدائية متطرفة ضد سورية وروسيا وإيران، وربما أجَّل – إلى حين- رهانات صقور البنتاغون، وخلق خيبة أمل كبيرة لدى السعودية وتركيا وغيرها. وثانيها: هو الأمل بتحسن كبير يمكن أن تشهده العلاقات بين واشنطن وموسكو، انطلاقاً من خطاب ترامب المؤيد لروسيا في محاربة الإرهاب، واتهامه لكلينتون بأن لها صلة بممولي التنظيمات الإرهابية،
وقوله بأن الرئيس أوباما “هو من صنع داعش”، والأهم هو قوله بأن الرئيس بشار الأسد يحارب الإرهاب. وقد عدَّ السيد حسن نصر الله في خطاب له (13 آب الماضي) أن كلام ترامب “كاشف” للسياسة الأمريكية، ربما على قاعدة “وشهد شاهد من أهلها”. ارتياح السوريين لفوز ترامب مفهوم، ولو أنهم لم يندفعوا كثيراً للتعبير عن ذلك، إلا أنهم عبروا ولا شك عن سعادتهم بذهاب كلينتون. ومع ذلك فإن السوريين لا يثقون بالأمريكيين، لاعتقادهم –المعزز بالتجربة- ان المرشحين وحتى السياسيين يقولون ما لا يفعلون، وان سياساتهم عدائية على طول الخط، ومنحازون دوماً لإسرائيل. وقد سبق للرئيس الأسد أن عبر عن شيء من ذلك في حواراته الأخيرة، وكذلك فعل الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي قال إن إرادة الإيرانيين قوية ولن تتأثر بتغير الرؤساء في الخارج.
لكن أحيانا ما يكون التدقيق في الجانب الآخر من المشهد مفيداً، ذلك أن الخبرة العملية تؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تتمركز حول الرئيس، وإن كانت له تأثيرات جدية عليها، وأن ثمة مدارك تهديد عالية داخل الإدارة الأميركية، وخاصة لدى البنتاغون، تجاه الازمة السورية السورية ودور الروس والإيرانيين فيها. بالمقابل، يمكن تقدير أن الرئيس ترامب يفكر –كأي سياسي قادم من عالم المال والأعمال- بمنطق الربح والخسارة، ربما يكون قريباً من تكييف خطابه الشعبوي وتقديراته السياسية لتصبح أولوياته أكثر انسجاماً مع تقديرات البنتاغون وجماعات الضغط، وربما مع تقديرات الحلفاء في أوربا والمنطقة العربية والشرق الأوسط، ذلك أن “إغواء” المساومات وضغوط لوبيات الصناعات العسكرية والشركات الأمنية والاقتصادية، وحوافز الخليج وغيره، ربما تفعل فعلها لدى الرجل، هذا أمر محتمل، خاصة إذا كان “العطاء” مغرياً، أو إذا رمت “إسرائيل” بثقلها المعروف أمريكياً إلى جانب حلفائها في الحرب السورية، مثل السعودية وتركيا وغيرهما. سوف يكون الأمل بتغيير السياسة الأميركية طاغياً لبعض الوقت، الأمر الذي يعزز فرص التوافق بين واشنطن وموسكو حول مكافحة الإرهاب في سورية، وقد يعيد فتح ملفات جنيف “المغلقة” و”المهجورة” منذ زمن، وخاصة ما يتصل منها بالعملية السياسية وفق قرار مجلس الأمن 2254، ولو أن احتدام المعارك في حلب والموصل سوف يضع آمال المتفائلين بترامب، وحتى وعود ترامب نفسه، أمام اختبارات عاجلة وحاسمة.
أياً كانت التوقعات حول سياسة ترامب، هل ستكون استمراراً لخطابه الانتخابي أم لا، فإن ثمة حدود لما يمكن أن يفعله تجاه سورية، والبداهة الرئيسة بالنسبة للسوريين هي للحدود التي تضعها سورية نفسها مدعومة بحلفاء مؤمنين بأن المعركة في هذا البلد هي “خط الصدع” في السياسة الإقليمية والدولية، وأن مواجهة بهذا الحجم لن يقررها برنامج رئاسي أو آخر بقدر ما تقررها ساحة المعركة والرهانات العميقة الدائرة حولها وفي أفقها.
المقال يعبر عن رأي الكاتب
بقلم : د. عقيل سعيد محفوض
المحور الإخباري
