ناورت وداورت اميركا كثيراً في السنة الأخيرة من عمر العدوان على سورية لوقف الاندفاعة السورية الميدانية التي انطلقتبشكل مميز في اخر صيف العام الماضي، الاندفاعة التي اعتمدت استراتيجية الحرب الشاملة على الإرهاب في الجبهات المتعددة والمحاور المتناغمة. الاستراتيجية التي انخرط في تنفيذها والعمل بموجباتها الى جانب سورية بقواها الرسمية والشعبية حلفائها في محور المقاومة والإقليم، وروسيا التي استجابت للطلب الرسمي السوري الصادر عن حكومة شرعية تتولى الحكم بمقتضى الدستور والقواعد والأعراف المعمول بها في القانون الدولي العام، وبهذا الهجوم المتعدد الاتجاهات حققت سورية لا بل رسمت سورية مع الحلفاء مشهداً يؤكد ان لا امل للعدوان في ان يحقق شيئاً من أهدافه الاستراتيجية في سورية. وفي مطلع العام الحالي ولما احست اميركا بالخسارة والعجز عن تغيير اتجاه الاحداث اتجهت الى الضغوط لوقف الاندفاعة السورية في مرحلة أولى ثم استدراج القوى المدافعة الى حرب استنزاف واطالة امد الصراع ريثما تتدبر الامر واقله تؤخر الخسارة، الى ان ابتدعت خطة جديدة تقوم على تقسيم سورية وبها تكتفي بالسيطرة على جزء من البلاد يكون تعويضاً لها عن العجز عن السيطرة على كل سورية وتاليا المنطقة. وقد استطاعت اميركا بشكل او باخر ان تحقق شيئا من مبتغاها وتحصل على هدنة هنا ووقف اعمال قتالية هناك، وان تجمع قوى محلية ترفدها بالخبرات والسلاح من الحلف الأطلسي وان توحي بان خطة تقسيم سورية هي الحل وأنها تسير على قدم وساق في بيئة آمنة تمكن من اتمامها.
وفي سياق تنفيذ ما ذكر ذهبت اميركا الى دير الزور وقصفت مراكز للجيش العربي السوري لإخراجه من المنطقة وتسليمها الى داعش، ودعمت «قسد» ودفعتها للدخول الى منبج ولوحت بها لإرسالها الى الرقة أيضا لاستلامها من “داعش”، وحركت الاتراك ليكون لهم أيضاً الدور الميداني المؤثر الذي يصب في النهاية في مصلحة اميركا ويمنع سورية من استعادة السيطرة على كامل أراضيها حتى الشمال. لكن اميركا التي قامت بكل ذلك والتي تباهت وتظاهرت بانها تحقق المكاسب في الميدان كانت تعرف في العمق ان هذه المنجزات لن تصرف في السياسة بما يوحي بإمكانية انقلاب المشهد ما لم تسيطر القوى الإرهابية التي تدعمها على حلب، فحلب بالمنظور الأميركي، وهي أيضا بالمنظور الاستراتيجي المجرد بشكل عام، حلب هي المحل الذي يحسم وجهة الصراع ومن يمتلك السيطرة عليها يستطيع ان يطمئن الى الأفق المستقبلي لمسار الاحداث، فبالنسبة للحكومة السورية تعتبر السيطرة على حلب اسقاطا لمشروع التقسيم، وبالنسبة لأميركا لا يمكن نجاح خطة التقسيم من غير حلب. ولان لحلب هذ الأهمية فقد عملت اميركا منذ مطلع العام الجاري وبشتى الطرق والأساليب من اجل امتلال السيطرة على حلب، حتى كانت المحاولة الأخيرة التي أطلق عليها «ملحمة حلب الكبرى» والي اعتبرت الرصاصة الأخيرة في مخزن سلاح الإرهاب بعد المحاولات الثلاث السابقة والتي بدأت أولها في نيسان الفائت بدءا بمهاجمة خان طومان والعيس، وكان الرابع هذا بهجوم سمحت اميركا للإرهابيين فيه باستعمال كل شيء وزج اقصى الطاقات والقدرات بما في ذلك لسلاح الكيماوي. لقد هلل الارهابيون للإنجازات المهمة التي ادعوا انها تحققت في الأيام الاولى لـ «ملحمة حلب الكبرى» على حد قولهم والتي تزامنت مع الانتخابات الرئاسية الأميركية وهي إنجازات كان يحتاجها الديمقراطيون في صناديق الاقتراع، لكن الفرحة الإرهابية الأميركية لم تكتمل أولاً ولم يدم ما تحقق منها، اذ ان سورية وحلفاءها عرفوا كيف يتعاملوا مع الموقف ويجهضوا الهجوم ويزيلوا اثاره.
وبالفعل فان الجيش العربي السوري و حلفاءه و رغم وقف الطيران الروسي لعملياته الحربية منذ 18 تشرين اول الفائت، نفذ عملية عسكرية فذة على مراحل ثلاث، بدأت أولها باستيعاب الهجوم لاحتوائه ما امكن حتى ولو اقتضى الامر الانكفاء من بعض المواقع ، ثم ضيق الخناق على المجموعات الإرهابية المقتحمة وقطع طرق امدادها حتى عزلها في المرحلة الثانية، وأخيراً كانت المرحلة الثالثة التي تمت بنجاح باهر وأدت الى إعادة الحال الى ما كان عليه في الأرض مع توسيع لمناطق سيطرة الجيش العربي والسوري والحلفاء حيث يقتضي الامر، وتدمير القدرات الهجومية للمجموعات الإرهابية بشكل يمكن من استبعاد القيام من قبلهم باي هجوم جديد الا اذا كانت هناك نية بانتحار لاحق. والان نسأل عن أهمية هذا الإنجاز العسكري السوري في حلب، ولماذا نعطيه هذا القدر من الاهتمام رغم ان هناك ما يشبهه من حيث النتائج خاصة في الهجوم الثالث الذي تمكن فيه المسلحون من احداث خرق مهم واحتلال الكليات العسكرية ثم استطاع الجيش العربي السوري وحلفاؤه من معالجة الموقف واستعادة ما فقد، ورغم ذلك فان عملية اليوم الدفاعية تفوق بأهميتها الميدانية والاستراتيجية ما سبق. ان الأسباب التي تدقعنا الى الاهتمام المميز بإجهاض ملحمة حلب الكبرى التي شنها الارهابيون في الأسبوع الماضي عائد الى ما يلي:
– القت اميركا بكل ثقلها في الميدان من اجل حصد مكتسب ما توظفه لمصالحة الديمقراطيين في الانتخابات وقد كانت بحاجة ماسة للإنجاز، اما مستقبلاً وبعد الفراغ من الانتخابات فلم تعد الحاجة قائمة الى شيء مثيل. ما يمكن من القول انه لن تكون هناك محاولة جديدة بهذا الحجم في حلب مطلوبة او مدعومة اميركيا.
– ان النظرة الأميركية للحرب على السورية بعد الانتخابات تغيرت وفقاً لما أعلن الرئيس المنتخب ترامب وانتقل الاهتمام الأميركي من هدف اسقاط الرئيس السوري وحكومته الشرعية، مع الاستثمار بالإرهاب وحمايته، الى هدف محاربة الإرهاب دون اهتمام اخر أي عدم التدخل في شان الرئاسة، وهذا الامر سيرخي بظلاله على مجريات العمل الأميركي في سورية ودعمها للإرهاب.
– ان المجموعات الإرهابية التي لم توفر شيئاً الا واستعملته في حلب ورغم ذلك فشلت في الاحتفاظ ببعض ما حققت من منجزات، لن تقوى مستقبلاً على إطلاق هجوم جديد مماثل بعد الكم الكبير من الخسائر والانهيارات المعنوية والمادية التي عصفت ونزلت بها خاصة بعد الهجومين الأخيرين.
– ان القوات المدافعة عن سورية خاصة منها المتمركزة في حلب ومحيطها امتلكت الخبرة والمناعة للتعامل مع أي هجوم بما في ذلك ما يستعمل فيه سلاحا محرما كالسلاح الكيماوي، وبالتالي باتت تلك القوى مطمئنة الى إمكانية استئناف خططها لتحرير ما تبقى من الاحياء الشرقية في حلب دونما ان يعرقل سيرها عائق مفترض او قائم.
لكل ذلك بتنا نقول ان معركة تحرير حلب باتت بحكم المنتهية ولهذا أيضاً نعطي هذه الأهمية الاستثنائية لنجاح الجيش العربي السوري وحلفاؤه في اجهاض ملحمة حلب الكبرى التي انقلبت على أصحابها وتحولت الى كارثة كبرى تحل بالعدوان وبمنفذيه سواء منهم الارهابيون في الميدان ام قادتهم في المكان وغرف العمليات.
بقلم: د.أمين حطيط
المحور الإخباري
