منذ أشهر تم ترتيب زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى فرنسا، بمناسبة تدشين المركز الثقافي الروسي الجديد في باريس والتي تمت برمجتها ليوم 19 تشرين الأول، ولكن تم إلغاؤها حسب المتحدث الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الذي أعلن بسخرية أن ” الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيأتي عندما يشعر الرئيس هولاند بأكثر راحة وسوف ننتظر تلك اللحظة ! “.
كان يمكن أن تكون الزيارة فرصة جيدة لمناقشة مواضيع التعاون بين البلدين. روسيا شريك صعب فعلا وقوي باعتراف الجميع ولكنها من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية ,شريك لا مفر من التعامل معه. فبعد أن فهم رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان أهمية موسكو في الشرق الأوسط، وهو الذي كان منذ أقل من ثلاثة أشهر في صراع مفتوح مع روسيا، وقع اتفاقية استراتيجية مع بوتين بتكلفة تقدر بأكثر من عشرة مليارات دولار، وهي مشروع خط أنابيب TurkStream، المتمثل في انجاز انبوبين للغاز بسعة 16 مليار متر مكعب تحت البحر الأسود قبل حلول العام 2019.
مستأجر قصر الإليزيه ليس هو الذي ألغى زيارة فلاديمير بوتين إلى فرنسا بل قررها رئيس الكرملين ولسبب وجيه ألا وهو أن فرانسوا هولاند كان يعتقد أنه يتعامل مع حاكم مستبد من ” أفريقيا الفرنسية ” وأنه بإمكانه أن يفرض تعليماته على قيصر روسيا المنتخب. وقبل يوم من ذلك، وفي إشارة الى تفاقم توتر العلاقات بين البلدين صرح وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيروا بخصوص الاشتباكات في حلب بين الجيش السوري والإرهابيين، بأنه يمكن أن يحاكم القادة السوريين والروس بتهمة ارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية ! وفي نفس الاندفاع والتعويذة الساخطة قدمت فرنسا مشروع قرار لمجلس الأمن لدى للأمم المتحدة تم وضعه في الدرج لأن روسيا استخدمت على الفور حقها في الفيتو.
وقد تساءلت بموضوعية المحللة والمكلفة بمهمة لدى وزارة الدفاع الفرنسية كارولين قلاتيروس في مقالة نشرتها صحيفة لوفيغارو يوم 11 أكتوبر 2016 “هل هي إذا جولة جديدة من التهافت الأعمى والتفكير السحري أم أنها مواقف اعتباطية وخطيرة تسعى من خلالها فرنسا خدمة مصالح واشنطن لا غير”.
فعلا وفي غياب رؤية استراتيجية وجيوسياسية واضحة ترتقي الى مستوى القضايا المصيرية أصبح الأمر يتعلق تحديدا بسياسة صماء وعمياء وغير مسموعة جعلت من فرنسا مسخرة أمام الأمم المتحدة وحتى في نظر القوة الأمريكية التي تعتزم الحكومة الفرنسية خدمتها بإخلاص ووفاء، مواقف مهتزة تجعل من فرنسا العدو الرسمي للأصدقاء المحتملين كروسيا العظمى وتعزلها عن منطقة الشرق الأوسط، أين كانت في السابق صوتا مسموعا ودولة ذات سيادة .
والأكثر خطورة واستغرابا في هذه السياسة الخارجية, هي الشكوك التي تثيرها الحكومة الاشتراكية حول إرادتها الفعلية في حربها الشاملة ضد الارهاب والجماعات الاسلامية، مهما اختلفت مسمياتها المتعددة سواء بداعش أو بتنظيم القاعدة أو بجبهة النصرة الملقبة أخيرا بفتح الشام. فعلى عكس رئيس الدبلوماسية الفرنسية السابق لوران فابيوس الذي يعتبر أن “الأسد لا يستحق أن يكون على الأرض” وأن “جبهة النصرة تقوم بعمل جيد” فإن فلاديمير بوتين يتمتع بالثبات والصرامة عندما قال عن الإرهابيين الشيشان: “سنلاحقهم حتى في المراحيض”، وقد وعد بذلك في سبتمبر 1999، عندما كان لا يزال رئيسا لوزراء بوريس يلتسين.
المحور الإخباري
