محمد ياغي
كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية مؤخراً، أن سر اهتمام الرئيس الأميركي ترامب بالشرق الأوسط، سببه زوج ابنته، جاريد كوشنر، الذي أقنعه بأن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بطريقة تلبي المطالب الإسرائيلية سيكون أحد أهم الإنجازات التاريخية التي ستخلده كرئيس أميركي.
التقرير أشار أيضاً، الى أن كوشنر، قد أقنع ترامب، بأن العربية السعودية، حجرُ أساس في حل هذا الصراع لأن الإسرائيليين يفضلون إشراكها في مشروع الحل. التقرير يكشف تفاصيل العلاقات واللقاءات والأحاديث التي سبقت زيارة ترامب للعربية السعودية في آذار العام الماضي، وهو بشكل مختصر يقول بأن العربية السعودية قدمت من جانبها ما يُسيل لعاب ترامب بهدف استمالته الى سياساتها عبر التلاعب بـ “كوشنر” دون أن تكون لديها نوايا حقيقية للذهاب بعيداً فيما يريده كوشنر قبل حصولها هي على ما تريده. التقرير يقول إن معرفة “كوشنر” بالشرق الأوسط معدومة وإن كل ما يهمه هو إرضاء إسرائيل التي تقدم عائلته لها الأموال لبناء المستوطنات في الضفة بما فيها القدس الشرقية.
ترامب، تاجر العقارات، والمقدم للبرامج الترفيهي “المتدرب” قبل دخوله السباق للبيت الأبيض، وصاحب الغراميات مع بائعات الهوى، لم يتوقع أحد أن تكون له حظوظ بالفوز بترشيح الحزب الجمهوري، ناهيك عن الفوز بالرئاسة الأميركية. أما وقد أصبح الرجل صاحب القرار في حياة عشرات الملايين من الأميركيين والبلايين غيرهم في العالم، فإن المهم أن يدرك العرب بأن هذا الرجل يتمتع بخصلتين: الجهل بمشاكل الشرق الأوسط وأسبابها، وضيق أفق لا يساعده على حلها حتى لو أراد.
الجهل بمشاكل الشرق الأوسط وأسبابها لا تعود فقط الى خلفية الرجل المهنية كتاجر عقارات و”مهرج” تلفزيوني، ولكن الى ما قاله ريكس تيليرسون، وزيره السابق للخارجية، مؤخراً بأن مشكلته مع ترامب كانت أنه لا يقرأ التقارير التي تقدم له مهما كانت مختصرة، ويتجاهل المعلومات المقدمة له من أجهزة الدولة، وأن قصارى ما يفعله أن يمارس دوره لا كرئيس دولة يعي كيف تعمل مؤسساتها ولكن كطفل مدلل: هذا ما أريده ولا يهمني كيف تقومون به من أجلي.
وأكثر من ذلك، هذا “الجاهل” كما نلاحظ يقوم بالتخلص من جميع مستشاريه ممن لا يقولون له ما يحب سماعه، ويقوم بإحضار غيرهم ممن يعرفون كيف يدللونه. إدارة ترامب هي أكثر إدارة أميركية شهدت تغيرات في المواقع القيادية في فترة زمنية لا تصل الى عامين.
أن يصل رئيس جاهل الى البيت الأبيض ليست مفارقة تاريخية. لكن المفارقة في أنه يرفض التعلم أو الاستماع لمستشاريه، وفي أنه لا يقرأ ، وفي تجاهله لتقارير مؤسسات الدولة التي يمثلها.
الرئيس الأميركي، رونالد ريغان مثلاً، كان ممثلاً ولم يكن يتمتع بالمعرفة السياسية، لكنه كان يستمع الى مستشاريه، ويستمتع بتأدية عمله كممثل بارع في منصب رئيس. ومثله أيضاً، جورج بوش الابن، الرئيس القادم من عالم المحاسبة، والذي فاز بقرار محكمه أميركية، كان أيضا يتمتع بضحالة سياسية غير عادية، لكنه أحاط نفسه بفريق من الخبراء الذين يرشدونه الى ما عليه أن يفعل أو يقول. صحيح بأنهم كانوا متطرفين ومجرمين أيضاً بسبب ما قاموا به في العراق، لكنهم كانوا خبراء بارعين، وكان هو مستمعاً جيداً، لهم وعلى استعداد أن يتعلم منهم ويتحدث لغتهم.
قلنا إن ريغان كان جاهلاً في السياسة، لكن كان لدى الرجل حس ومخيلة سياسية ساعدته على تبني سياسة سباق التسلح ودعم “ثوار” أفغانستان، وكلاهما أدى الى ارهاق الاتحاد السوفييتي اقتصادياً، ومن ثم الى تفككه وسقوط المعسكر الاشتراكي الشرقي معه.
ترامب ليس جاهلاً فقط، ولكنه يتمتع بضيق أفق سياسي قل وجوده في رؤساء أميركا. ترامب يعتقد بأنه يمكن أن يوفق بين متناقضات عديدة، مثلاً: محاصرة إيران بدون مساعدة الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، إهانة العرب والمسلمين وفي نفس الوقت الحصول على دعمهم في محاربة الارهاب، “تسوية” الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بإخراج القدس واللاجئين من ملف الصراع، وغيرها من المتناقضات التي لا يمكن الجمع بينها.
ربما يُخفي ضيق الأفق هذا حقيقةً ما، على أي حال، وهو أن جوهر سياساته في الشرق الأوسط قائمة على ركيزتين: دعم إسرائيل اللامحدود في كل ما تريده لاعتبارات انتخابية وعائلية (لا أريد القول أيديولوجية، فهذا الرجل لا تهمه الأيديولوجيا)، والحصول على أموال دول الخليج العربي من أجل استغلالها في توفير فرص عمل للأميركيين من خلال شراء الأسلحة والاستثمارات ودعم مشاريع البنية التحتية، وهذا ايضاً لاعتبارات انتخابية.
ضيق الأفق المصحوب بالجهل، يوهم صاحبه بأن “شطارته” تكفي للتعويض عن الجهل بالتاريخ، مثلاً أهمية القدس للعرب والمسلمين، أو في الاعتقاد بأن العقوبات الاقتصادية على إيران التي لا يساندها أحد في العالم كافية لإقناع العربية السعودية بضخ مئات البلايين من الدولارات في الاقتصاد الأميركي، أو في أن العربية السعودية أو دول الخليج العربي عموماً على استعداد للذهاب بعكس رأي شعوبها، واقامة علاقات مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية بطريقة يقبلها الفلسطينيون.
الرئيس كلينتون كان لديه حافز أن يربط تخليد اسمه بحل القضية الفلسطينية. كان شاهداً على توقيع اتفاق أوسلو العام 1994 وأراد أن يغادر البيت الأبيض بصفقة سلام على طريقة كارتر في كامب ديفيد. لذلك استثمر كلينتون جزءاً مهماً من وقته في محاولة للمقاربة بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي. بالطبع فشل كلينتون كما نعلم، لأن مقارباته كانت اكثر انحيازاً الى إسرائيل.
ترامب بلا دافع لحل هذا الصراع وما يرغب به فقط هو الحصول على رضا إسرائيل وممولي حملته الانتخابية اليهود في أميركا على حساب مصالح الفلسطينيين والعرب.
المحور الإخباري
