حسين شريعتمداري
وضعت الحرب اوزارها ليلقى مثيرو حرب الجمل فشلاً ذريعاً وينالوا الذلة والصغار وقد وصف امير الموحدين الامام علي عليه السلام ما عايشته الجبهتان، قائلاً: “وقد ارعدوا وابرقوا ومع هذين الامرين الفشل، ولسنا نرعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر…”.
ففي يوم 22 بهمن هذا العام، وفيما يسجل الشعب الايراني حضوراً ملحمياً بمسيرات مليونية اكثر تلاحماً من الاعوام الماضية في الذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإسلامية ليرددوا تحت زخات المطر وتهاطل الثلوج شعار الموت لاميركا، الموت لاسرائيل، رغم ما أعد له الأعداء في الخارج وأذنابهم في الداخل لاشهر من حرب نفسية غير مسبوقة بهدف ادخال اليأس في قلوب الشعب والثورة والحؤول دون الحضور في هذا اليوم. فكان ترديد سجعهم المشاكل الاقتصادية! ولكن ليس لتوخي الحل وانما للتعمية وصرف الشعب عن المشاكل في احتفالية انتصارات الثورة في عيدها الاربعين، فبلغ باعتماد العدو على ماكنتهم الدعائية حداً جعلهم يراهنوا على عدم حضور الجماهير في يوم 22 بهمن واطلقوا العنان لآمالهم لتتبدل الى تنجيم وكهانة.
إلا أن الشعب وبما عهدناه من يقظة يعلم جيداً ان المشاكل الاقتصادية لا علاقة لها بالثورة الإسلامية والنظام المنبثق منها وانما تراكمت المشاكل الاقتصادية جراء عاملين انثنى احدهما على الآخر، الأول: العقوبات الظالمة والاتاوات التي تحاول اميركا وحلفائها فرضها على الشعب والنظام، والثاني: عدم اعتناء بعض المسؤولين للوصفة التي اصدرتها الثورة لاقتصاد البلاد، والتفاتهم للوصفات الغربية مع ثقتهم- وللأسف الشديد- باميركا وأوروبا على الدوام.
وتعود جذور العاملين إلى إهمال ثوابت الثورة، مع فارق ان العقوبات تتوالى من قبل الأعداء من الخارج بهدف مواجهة أصول الثورة الإسلامية الا ان السيرة غير الثورية لبعض المسؤولين تنبع من سوء ادارتهم، مع الأخذ بعين الاعتبار احتمال وجود عدة من المتغلغلين وسلبيي التفكير كمستشارين أو في بعض المناصب كمدراء! فالعاملان لهما الأثر في خلق المشاكل باستمرار بغض النظر عن الدوافع المختلفة لتعيق المسار الاقتصادي لخارطة طريق رسمتها الثورة.
وكان الشعب واعياً ان ما يبطل سحر المشاكل الموجودة على المستوى الاقتصادي يتمثل في تشديدهم على اسسى وثوابت الثورة الإسلامية، اذ ان العاملين في نقيض مع الثورة وجراء البعد عن اصالة مبادئه، من هنا فمن البديهي كان تأكيد الشعب على اسسى الثورة الإسلامية والإعلان عن وفائه لكامل هيكلية الثورة هو السبيل الأنجع للسيطرة على المشاكل، وهكذا كان عندما حشد الشعب تواجده بعشرات الملايين في مسيرات انتصار الثورة بذكراها الاربعين. كما ان اللافتات التي كان يحملها المواطنون تعكس بوضوح مدى فطنتهم لجذور بعض الخلل والمصاعب التي تمر بهم، مذكرين المسؤولين بمبادئ الثورة من خلال الشعارات، “النظام الإسلامي لا يسمح بالمرتبات الفلكية”، “طابور اللحم من تداعيات الانتخاب لا الثورة”، “حضورنا تأييداً للثورة ولكن عتبنا على الحكومة والمجلس والسلطة القضائية”، “انا ثوري وابقى ثورياً لست خاضعاً لذل الاعداء ولا ساكتاً على فساد بعض المسؤولين”، “الاينستكس والفتاف اهانة للشعب والثورة” “الامام الخميني: الدولة محفوظة ما دامت الحكومة والمجلس ليستا من الطبقة المرفهة”، “حب القائد دفعنا للحضور”، “الدماء التي في شراييننا نهديها لقائدنا”، و… .
في غمار هذا الحماس الشعبي، كم هي مستهجنة مواقف وتصريحات المسؤولين ووسائل الإعلام الاميركية والاوروبية. فهم في الوقت الذي يسكبون دموع التماسيح على الشعب الايراني وفي لبوس التحرق يتحدثون عن مواكبتهم للشعب وكأن الشعب جاهل لحقدهم البين على سيادة ايران الإسلامية بنظامة وثورته وإسلامه وشعبه. فكم كان ترامب، ووزير خارجيته “بومبيو” يطلقان على مواقع التواصل رسائل التوادد للشعب الايراني! ويشددان على عدم حضور الشعب في مسيرات يوم 22 بهمن حباً لهذا الشعب! و… وكأنهم (اي الاميركان) ليسوا من تشبثوا لاربعين عاماً خلت بكل فرصة لإبراز تآمرهم وعدائهم لهذا الشعب! ونلفت القارئ لنماذج من هذا العداء الذي لا ينتهي.
في الحادي والعشرين من يونيو 2010، وهو بالضبط في الذكرى السنوية الاولى للفتنة الاميركية الاسرائيلية عام 2009، اصدر مجلس الأمن الدولي القرار المرقم 1929 ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حينها سأل مراسل “واشنطن بوست” وزيرة خارجية اميركا “هيلاري كلنتون”: ألست المعلنة معارضتك للحكومة في ايران وفيما توجهين معارضتك دعماً للشعب يأتي القرار الاخير- 1929- وهو يستبطن عقوبات تستهدف الشعب الايراني؟ فلم تنقذ ابتسامة كلنتون في اخفاء سخطها على مراسل “واشنطن بوست”! فكان ردها، انه هو الشعب نفسه الذي يدعم السيادة الدينية في هذا البلد. ولذا فالمراد من عقوبات هذا القرار تثوير الشعب ضد النظام الحاكم في ايران. فهذا الضغط ضروري!
على نفس السياق ردت “كونداليزا رايس” وزيرة خارجية ادارة بوش على تساؤل طرح عليها يقول: لماذا تصب اميركا غضبها على شعوب المنطقة لأجل مواجهة ايران، وتفتعل الحروب وهدر الدماء بالمنطقة؟ لتجيب:
“ان هذه الضغوط اشبه بأوجاع الولادة، اذ من المقرر ان ينتج من هذا المخاض شرق أوسط جديد بسيادة اميركا وحلفائها!
الى ذلك كان التصريح الوقح لكبير المفاوضين الاميركان “وندي شرمن” والتي ظهرت بمظهر “الام تيريزا” وبابتسامة مونليزا، بان DNA الايرانيين يحمل جينات المكر! فيما يدعي ترامب ان الشعب الايراني ارهابي! وسبق ان صرح وزير الحرب الاميركي “واين برغز” بوقاحة خلال الحرب المفروضة، انه ينبغي إبادة الشعب الايراني فضلاً عن حكومته! و… .
فما كان من الشعب الإيراني إلا واستذكر بصيرته العلوية، هنالك حين عبر امير المؤمنين عليه السلام خلال حرب الجمل عن “طلحة والزبير” وهما اساس فتنة حرب الجمل، قائلاً” “انهم ليطلبون حقاً هم تركوه، ودماً هم سفكوه…”.
وهكذا تكون الصفعة التي وجهها الشعب بحضوره المليوني في مسيرات يوم 22 بهمن، مباشرة لترامب ونتنياهو وتيريزا ماي وميركل وماكرون وسائر العتاة المردة من الغربيين والعبريين، وليخيبوا آمالهم و يدفنوها تحت اقدامهم.
وكما قال الشاعر “محمد مهدي سيار”
لم يكن نمرود سوى حمال الحطب
فيد الله فوق كل ذي سبب
المحور الإخباري
