ما حدث في كراكاس خلال اليومين الماضيين كان إنقلاب بكل ما للكلمة من معنى حيث قام المعسكر المعارض المرتمي في الحضن الأميركي وبتوجيه مباشر من واشنطن بتدبير الإنقلاب على الرئيس الشرعي مادورو حيث يقيم حاليا رئيس المعارضة الفنزويلية في اميركا، لكن ما أفشل الإنقلاب في ساعاته الأولى هو إعلان الجيش موقفه الحاسم في دعم الشرعية المتمثلة بالرئيس مادورو وهكذا المحكمة العليا في البلاد والأهم من كل ذلك نزول الشعب الفنزويلي إلى الشارع معلناً دعمه المطلق للرئيس مادورو كرئيس شرعي للبلاد.
وما حدث في كراكاس ليس أمراً جديداً أو مفاجئاً فالولايات المتحدة الأميركية ديدنها هو حياكة المؤامرات والإنقلابات في اميركا اللاتينية في إطار مشروعها لإركاع هذه الدول لتكون تبعا لها وليسهل عليها بالتالي نهب ثرواتها خاصة وان فنزويلا تملك احتياطين كبيرين للنفط والذهب. ومنذ العام 2000 عندما وصل تشافيز للحكم وتبنى مشروعاً تحررياً لإقامة وحدة اقتصادية وعدالة اجتماعية في دول اميركا اللاتينية زادت اميركا من عدائها وتآمرها على هذا البلد لإسقاط نظامه لكنها لم تفلح حتى رحل شافيز، إلا انها استمرت في نهجها التآمري ضد الرئيس مادورو لدرجة انها دبرت قبل أشهر عملية لإغتياله لكنها لم تنجح في ذلك إلى ان اقدمت قبل يومين بتحريك رئيس البرلمان للقيام بعملية انقلاب هزيلة حيث أعلن ودون أي مبرر على انه رئيس البلاد بالوكالة وسرعان ما أعلن ترامب والدول السائرة في ركابه كالبرازيل والأرجنتين وكولومبيا الذي يسيطر عليها اليمين المتطرف اعترافه بالرئيس الجديد في خطوة متسرعة وغير مدروسة لكن إعلان موسكو وبكين وطهران والمكسيك وتركيا وغيرهم من الدول المستقلة ومنظمات كمجلس السلم العالمي إدانتها لهذه المحاولة ودعمها للرئيس مادورو لكن ما شكل صدمة لاميركا هو الموقف الاوروبي المتردد مما جرى في كراكاس لانها محاولة غير دستورية ومرفوضة في النظام الديمقراطية وهذا ما قطع الطريق على واشنطن التي تحاول فرض وصايتها على دول العالم من خلال زرع انظمة تسير في ركبها وتوافقها الرأي ومن دون ذلك لم يكن الرئيس المنتخب لا رئيساً ديمقراطياً ولا شرعياً.
واثر هذه المحاولة الإنقلابية الفاشلة سارع الرئيس مادورو ورداً على التدخل الاميركي السافر والصارخ الذي يعارض المنطق الدستوري والميثاق والقانون الدولي قطع علاقاته الدبلوماسية مع واشنطن وقطع الطريق على تحركاتها المشبوهة واللاحقة في هذا البلد وحتى يكشف للعالم ازدواجية المعايير الأميركية في تفسيرها للديمقراطية ودعمها المخزي للأنظمة الإستبدادية سواء في اميركا اللاتينية أو منطقتنا.
وبالطبع فإن فنزويلا لم تترك وحدها أمام التآمر والتدخل الأميركي فسرعان ما أعلنت موسكو تحذيرها الشديد لاي تدخل عسكري اميركي في فنزويلا من خلال احتمال تحريك بعض خلاياها أو العسكريين المرتبطين بها خاصة في المناطق القريبة من دول الجوار ككولومبيا، لأنه السبيل الوحيد الباقي أمامها لإسقاط الرئيس مادورو لكنها تبقى مجازفة كارثية قد تشعل حرباً أهلية في هذا البلد لا يعلم مداها إلا الله وبالطبع لن تتوقف داخل حدودها لأن الإنقسام في هذه المنطقة عمودي، ففريق من دول اميركا اللاتينية مرتهن بالقرار الأميركي ويخضع له وفريق آخر تقوده كوبا وفنزويلا وبوليفيا دول تحررية تدعو إلى اقامة وحدة سياسية واقتصادية وهذا ما يتعارض مع السياسة الاميركية ومصالحها التي تعتمد على الهيمنة ونهب ثروت الشعوب.
وحتى الساعة يبدو ان الرئيس مادورو وبدعم من الجيش وغالبية الشعب يمسك بزمام الأمور بصفته الرئيس الشرعي للبلاد، لكن لابد من مراقبة الوضع بدقة بسبب خطورة الموقف نتيجة للتدخلات الأميركية السافرة ومواصلة حصارها وضغوطها على هذا البلد التحرري الذي أصبح شوكة بعيون اميركا التي لا تطيق بقاء أنظمة ديمقراطية كفنزويلا.
المحور الإخباري
