الرئيسية / من الصحف / سبعة عقود تكفي

سبعة عقود تكفي

رجب أبو سرية

حين منح السير آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا أبان الحرب العالمية الأولى وعدا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لرئيس الحركة الصهيونية العالمية حاييم وايزمان، كان معجبا بشخصية وايزمان ومقتنعا بأن الصهيونية تمثل قوة تستطيع التأثير في السياسة الدولية، لذا كان يهدف من وراء وعده المذكور أن يكون الوعد سببا في إقناع الصهيونية العالمية الرئيس الأميركي في ذلك الوقت وودرو ويلسون بالمشاركة في الحرب العالمية إلى جانب بريطانيا.
ثم كانت إقامة دولة إسرائيل شكلا من أشكال إراحة الضمير الغربي، بعد سلسلة من الملاحقات التاريخية الأوروبية لليهود، منذ العصور الوسطى وصولاً إلى المحرقة، فتم النظر إلى «الوطن القومي» لليهودي على شاكلة أن يكون ملاذا لليهود من الملاحقة والتمييز، وكما لو كانت تلك الدولة بمثابة «الغيتو» الكبير الذي يتسع لهم، ولكن بعيداً عن أعين الغرب الذي لم يفكر يوماً في أن يمنحهم مثل ذلك الوطن القومي بين جنباته ولو حتى في سيبيريا أو القطب المتجمد الشمالي.

كان وعد بلفور إذاً بدافع سياسي مباشر ولا علاقة له بأساس قومي ولا بتحول مفاجئ للدولة الاستعمارية، بريطانيا من دولة استعمارية إلى دولة تدعم تحرر الشعوب من الاستعمار، ذلك أنها كانت في ذلك الوقت تحتل شعوبا ودولا لا حصر لها، ولم تفكر في منحها حق الاستقلال، فلم يكن وعد بلفور اعترافا مثلا بكفاح شعب ما ناضل على أرضه من أجل استقلاله!
المهم أن الوعد المشؤوم نفسه لم يقل بمنحهم كل فلسطين، ولا حتى دولة في فلسطين، بل وطنا فيها، ثم جاء قرار التقسيم أكثر وضوحا حين قال بدولة لليهود إلى جانب دولة للعرب، وحدد خط التقسيم بما في ذلك القدس، التي أخرجها تماما من حدود الدولة اليهودية.
ما كان يظن لوهلة، حتى الاستعمار الغربي الذي حمل على كاهله إقامة دولة إسرائيل ومن ثم رعايتها، بأن تتحول إلى دولة عظمى أو كبرى، أو حتى إقليمية في الشرق الأوسط، لكن إسرائيل لم تكتف بحدودها وفق قرار التقسيم، ثم لم تقبل بالحل الوسط القائم على أساس حل الدولتين وفق معادلة مقايضة الأرض المحتلة العام 1967 بالسلام، وبعد مرور سبعة عقود وبالتحديد واحد وسبعين عاما على إعلانها ما كان أحد من قادتها يحلم بأن تحتفظ بالأرض التي احتلتها في ذلك العام، خاصة حين يكون الحديث عن ذلك دون ثمن، كما تشي بذلك صفقة ترامب.

يمكن القول بمناسبة النكبة، التي هي في الوقت نفسه مناسبة إقامة دولة إسرائيل، حيث ليس هناك من دولة في الدنيا يكون يوم إقامتها نكبة لشعب آخر، أي أن إسرائيل ستظل تحمل بداخلها نقيضها، بما يعني أنها ستظل «دولة غريبة» في بلاد غريبة.
مختصر القول هو إن إسرائيل ستصل قريبا إلى ذروة الصعود، وبما يعني أنها ستتحول بعد ذلك إلى مرحلة الهبوط الطبيعي في حياة الدول ومثل كل الكائنات الحية.
وفق منطق السياسة نقول، إن إسرائيل لن تحصل بعد اليوم على من يقف إلى جوارها كما فعل ترامب، ولعل آخر جلسة لمجلس الأمن الدولي حيث عزلت الولايات المتحدة وحدها من بين الأعضاء الخمسة عشر حين كان النقاش حول الاستيطان، خير دليل على ما نقول، ومختصر القول هو أن إسرائيل قد وصلت إلى قمة الجبل، ولن يكون أمامها بعد ذلك سوى الهبوط.
والهبوط ما لم يكن مخططا له سيكون اضطراريا، ولن يقتصر على الشعب الفلسطيني وحده، فإسرائيل حتى اليوم واجهت صراعا داخل حدود فلسطين التاريخية مع الشعب الفلسطيني مسنوداً ومدعوماً من الشعوب العربية دون أنظمتها وحكامها في الغالب، ومؤيداً من شعوب الأرض كافة، فيما هي دعمت من قبل الحكومات الاستعمارية والامبريالية بما يؤكد أن تأييدها في احتلالها وتوسعها لم يكن عن وجه حق، لذا فإن تجاوز إسرائيل التوسعية حدود فلسطين، لتناصب العداء العراق تارة وسورية تارة أخرى، ثم إيران فتركيا وربما باكستان، ومن قبل كل هؤلاء مصر والأردن، وكل ما هو عربي ومسلم، سيعني أنها قد صارت وجها لوجه في مواجهة شعوب ودول الشرق الأوسط أولا، ودول وشعوب عديدة أخرى ثانيا، تماما كما حدث مع قوى استعمارية وامبريالية في شرق آسيا والكاريبي وأميركا اللاتينية.

ستتحول حين تتمدد إسرائيل بتوسيع نفوذها وسطوتها لخارج حدود فلسطين، إلى دولة عدوة لمئات الملايين من البشر، فيما سيكون الشعب الفلسطيني، هو حصان طروادة بداخلها.
سبعة عقود كانت كافية لكشف الطبيعة الاستعمارية التوسعية «لدولة إسرائيل» وتجاوزها حتى للهدف الذي أراده منها مطلق الوعد وباعث الفكرة، وكل ما في داخل دولة إسرائيل من تناقضات تشي بهشاشتها، رغم أنها تظن بأن القوة العسكرية هي مصدر القوة والأمن، والحقيقة عكس ذلك، فلا أمن لإسرائيل إلا بالسلام، ولا سلام إلا بتحقيق العدالة والتعامل بالمثل والمساواة بين البشر.
هذا هو درس يوم الخامس عشر من أيار الذي لا بد من التصريح به، ومن قوله، لكل من يهتم بالأمر هناك وهنا وفي أي مكان على هذه الأرض، هنا ورقة الطابو بيد الفلاح وبندقية القتل هناك بيد المستوطن والجندي المدجج بالسلاح، ذاك يفرض السلب وهذا يطالب بالحق، واحد يستند للقوة وآخر لديه الحق والعدالة، فإن صمت الحق يوما وليلة فإن الباطل لا يظل واقفا على قدميه إلى الأبد.

عن wessam

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الفصل الأخير «لدولة» إسرائيل

رجب أبو سرية مثل مراهق سياسي، أو حتى مثل عاطل عن العمل، بالبلدي “مش لاقي ...