الرئيسية / من الصحف / الدور الوظيفي الجديد للعدو الإسرائيلي في امريكا اللاتينية

الدور الوظيفي الجديد للعدو الإسرائيلي في امريكا اللاتينية

إيهاب شوقي

بعد الضعف العربي ومستجداته الكارثية التي تمثلت في التخلي عن الحدود الدنيا للثوابت، تدشن الآن مرحلة جديدة متقدمة، وهي تستهدف أنصار القضايا العربية التقليديين، في افريقيا وامريكا اللاتينية، بتورط اسرائيلي واضح ومعلن.

ما هي الساحة الجديدة المستهدفة، وكيف يتم استهدافها، وكيف تتوافق مع سياسات انسحاب ومظاهر ضعف وهزيمة للمشروع الصهيو -امريكي؟

في عودة كما يبدو لسياسة الاحتواء التي لازمت الحرب الباردة، تتصرف إدارة ترامب بشكل شبه معلن، ولكن باختلافات هذه المرة وفقاً للمتغيرات العالمية.

وهذه الاختلافات تتعلق بطبيعة الخصم الذي تراه أمريكا مهدداً لنفوذها وهيمنتها، وهو لم يصبح الآن الخصم الشيوعي القادر على نشر مبادئه المناقضة لأمريكا والتي يمكن أن تطرد النفوذ الأمريكي وتستقطب العديد من الدول والقطاعات الشعبية بحكم وجهها الثوري وتوازناتها الاقتصادية والاجتماعية، وإنما الخصم الآن جوهره الرفض والمقاومة للهيمنة، وصورته تحالف بين أقطاب نمت نمواً مزعجاً لأمريكا مثل الصين، وأخرى استعادت قوتها لتقترب من قوة الاتحاد السوفيتي مثل روسيا، وأقطاب إقليمية ترفض الظلم والإحتلال والهيمنة وأبرزها محور المقاومة، وبقاع متناثرة مناهضة لأمريكا في مناطق نفوذ تقليدية مثل كوريا الشمالية وفنزويلا.

ولأن الهدف هذه المرة ليس احتواء الشيوعية وهي محددة وليست فضفاضة، بينما المقاومة متنوعة وفضفاضة، فإن المهمة إصعب وأكثر تعقيداً، وهو سر التعثر والعصبية والصورة التي تبدو مرتبكة وعشوائية وعاكسة لخلافات داخلية امريكية تخرج للعلن بشكل غير مسبوق.
ولكننا ممن يرى أن هذه الصورة لا تعكس عشوائية أو غياب استراتيجية، وانما تعكس خلافات تكتيكية صعبة بسبب تعقيد المشهد وتراكمات العقود الماضية.

الحاصل أن هناك حرباً باردة وعودة حتمية لأبرز استراتيجياتها وهي الاحتواء، وقد تمر بسياسات مرحلية مرت بها مثل حافة الهاوية والرد المرن والردع النووي والمفاوضة.

ورغم أن هذه السياسات المصاحبة لاستراتيجية الاحتواء كانت تميز ادارات بعينها وعلى فترات زمنية متباعدة، الا أننا نرى أطيافاً منها مجتمعة في سياسات الادارة الحالية بسبب الفروق بين الخصم الاستراتيجي وطبيعته الفضفاضة المشار اليها.

ولطالما كان العدو الصهيوني أداة من أدوات أمريكا وأذرعها المتقدمة في حربها الباردة وفي هيمنتها، وسنستشهد هنا بشاهد من أهل أمريكا لاعطاء نبذة بسيطة عما نعرفه جميعاً عن عضوية العلاقة بين أمريكا والكيان الاسرائيلي، وهو مقتطف من تقرير لمايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن، وديفيد بولوك، زميل كوفمان في المعهد، وكان التقرير الصادر في 2012 بعنوان “اختبار الثروات: كيف تستفيد الولايات المتحدة من تحالفها مع إسرائيل”، ومما ورد بالتقرير:

(ويرجع التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ذروة “الحرب الباردة”، عندما كان يُنظر إلى الدولة اليهودية في واشنطن على أنها حائط صد ضد النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط ومناهض للقومية العربية. وعلى الرغم من أن العالم قد تغير منذ ذلك الحين، إلا أن المنطق الاستراتيجي للتحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة لم يتغير. ولا تزال إسرائيل ثقل موازنة ضد القوى الراديكالية في الشرق الأوسط، بما فيها الإسلام السياسي والتطرف العنيف. كما أنها حالت دون الانتشار الإضافي لأسلحة الدمار الشامل في المنطقة عن طريق إحباط البرامج النووية لكل من العراق وسوريا، ولا تزال إسرائيل تساعد الولايات المتحدة على التعامل مع التهديدات الأمنية التقليدية. …الخ التقرير).

الشاهد هنا، أن المنطق الاستراتيجي للتحالف ثابت، وهو ما يشير الى تورط العدو الاسرائيلي في جميع أزمات المنطقة، والجديد الآن، هو تنامي الاعتماد على العدو الاسرائيلي في خارج المنطقة، وأحدث الساحات هنا هي أمريكا اللاتينية، ويبدو أن الاستهداف موجه نحو فنزويلا بشكل رئيسي باتباع هذه الشواهد:

1/ في الأسبوع الأول من ديسمبر المنقضي أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن روسيا تدين أي محاولات لتغيير الوضع القائم في فنزويلا باستخدام القوة.
وقال بوتين خلال لقائه بنظيره الفنزويلي نيقولاس مادورو: “بالتأكيد، نحن ندين أي محاولات تتميز بطابع إرهابي واضح، وأي محاولات لتغيير الوضع باستخدام القوة”.

وتبع ذلك تأكيد وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو على أهمية التعاون مع فنزويلا فى المجال العسكري – الفني، الذى يتيح للقوات المسلحة الروسية استخدام مطارات وموانئ فنزويلية.

2/ من المعلوم انه خلال الحرب الباردة، أزالت الولايات المتحدة العديد من القادة المنتخبين ديمقراطيا من دول أمريكا اللاتينية عن طريق عمليات سرية لوكالة المخابرات المركزية (C.I.A) واستبدالهم بقادة أكثر ودية لمصالح الولايات المتحدة.

وكما جاء في El Confidencial الإسبانية التحليلية، فإن فنزويلا بالنسبة لروسيا اليوم كما كوبا بالنسبة للاتحاد السوفييتي أمس”.

وأوضحت مقالة حديثة في “واشنطن بوست” أن “روسيا تحقق أرقاما كبيرة في الحبوب مع فنزويلا، مضيّقة على واشنطن، التي كانت تعد الشريك الاقتصادي الأول في السابق.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل حقيقة أن روسيا “تتسلل” إلى قطاع النفط الأمريكي من خلال الأصول الفنزويلية، فبمثابة ضمانة لقرض من موسكو قيمته 1.5 مليار دولار، وضعت كاراكاس حصة 49.9 ٪ منCitgo بيد موسكو، وهي شركة فنزويلية 100 ٪، مسجلة وتعمل في الولايات المتحدة، تمتلك شبكة من خطوط الأنابيب في جميع أنحاء البلاد وثلاث مصاف للنفط.”

3/ كشف الصحفي الفرنسي تييري ميسان عن وثيقة داخلية مسربة في شهر أيار الماضي، أعدتها قيادة الجنوب (سوثكوم)، وهي المعادل للقيادة المركزية لأمريكا اللاتينية (سنتكوم)، عن عمليات جارية الآن ضد فنزويلا، وعقد مقارنة بينها وبين ما حدث في سوريا وقال انه قد اكتملت بالفعل جميع الخطوات المعروفة :

أولا، موقف منظمة الدول الأمريكية (المكافئ الإقليمي لجامعة الدول العربية)، ثانيا، شجب الانتخابات الرئاسية قبل عقدها، ثالثا، الأزمة المالية، رابعا، تهجير جزء من السكان.

وورصد ميسان انه بالفعل فقد بدأت سبع عشرة دولة، مؤلفة ضمن مجموعة “ليما” بقيادة دولة البيرو، بمنع المهاجرين الفنزويليين من العودة إلى ديارهم، ومنع فنزويلا أيضا من استعادتهم. وفرضوا حظرا على التنقل جوا أو برا عبر الحافلات من فنزويلا، أو إليها. ولتنفيذ حرب إقليمية على أكمل وجه، سوف ينبغي على البرازيل، وكولومبيا، وغيانا، لعب دور المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا. كما ينبغي أن يسمح انتقال السلطة في البرازيل بأن يقوم بهذا الدور على أكمل وجه.

ولهذا السبب، تم انتخاب الرئيس الموالي للكيان الاسرائيلي يائير بولسونار، مع الجنرال هاملتون موراو، نائبا له، الذي أعلن أنه سيتم الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قريبا، وأن البرازيل ستنشر “قوة سلام” على الفور في هذا البلد.

والمشترك هنا هو العدو الاسرائيلي الذي يقوم بذات الدور الذي لعبه في سوريا ومع نظام برازيلي جديد يكن رئيسه العداء للعرب لدرجة انه رفض العلاج بمستشفى عربي بعد طعنه في إحدى جولاته الانتخابية وأصر على العلاج بمستشفى اسرائيلي بالبرازيل، وجميعنا يرى الوعد البرازيلي بنقل السفارة للقدس المحتلة دون اكتراث بأي غضب عربي أو تأثر مصالح البرازيل بمقاطعة عربية.

في عام 2016، هاجر نحو 600 يهودي من البرازيل إلى الكيان الاسرائيلي، وأشارت الوكالة اليهودية إلى أن هذا العدد شكل ذروة جديدة في عدد المهاجرين من البرازيل الواقعة في أمريكا الجنوبية. مع ذلك، سُجل في عام 2017 رقم قياسي آخر، إذ سيكون إجمالي عدد المهاجرين في عام 2017 نحو 900 يهودي من البرازيل.
وشهدت السنوات الأخيرة زيادة كبيرة في عدد المهاجرين من البرازيل إلى كيان العدو.

يمكننا هنا ان نستنتج مايلي:
كيان العدو يتحرك بدافع الخوف من تقارير الهجرة العكسية وترك أرض الميعاد المزعومة في فلسطين، ويستجدي الهجرات البرازيلية مقابل خدمات واستثمارات، كما يستجدي دعما دوليا على انقاض نفوذ العرب وأطلال صداقاتهم التقليدية، ويمارس في ذات الوقت دوره الوظيفي في خدمة أمريكا واستراتيجياتها.

عن wessam

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وسقطت هيبتهم أمام تحدي طهران

منذ بداية انتصار الثورة الاسلامية المباركة والتي رفعت شعار مواجهة الاستكبار والاستعمار العالمي والذي تقف ...