الرئيسية / من الصحف / باختصار : ما أسهل ان تصبح “مفكرا” عربيا!

باختصار : ما أسهل ان تصبح “مفكرا” عربيا!

الـكـاتـب : زهـيـر مـاجـد
في مطلع التسعينيات من القرن الماضي كنت في زيارة لإحدى الصحف الكويتية، وكان الزميل الصحافي اللبناني المسؤول فيها ينتظر مقال الكاتب المصري محمد حسنين هيكل الذي تأخر وصوله. عرفت من الزميل أن هيكل الذي كانت تتمنى أية صحيفة في العالم كتابته فيها، كان يتقاضى خمسة دولارات عن كل كلمة في مقاله، وكان لا يقبل الحديث مجانا في التلفزة والإذاعات، ومع هذا كان يضع لاسمه عنوان “كاتب صحافي” فقط دون زيادة أو نقصان، مع أنه لو أضاف أي عنوان آخر لما رفض طلبه، وهذا من باب احترام الذات.

أشهد اليوم أن مساحة الإعلاميين الذين يظهرون في التلفزة باتت مكثفة، لكن اللافت أن عناوين كتّابها مثيرة للتعجب والتساؤل .. فهذا يستعمل جملة مفكر عربي، وذاك محلل وباحث، والآخر كاتب في الشؤون الاستراتيجية أو مختص في الشؤون الأمنية أو الإقليمية أو مفكر استراتيجي … “ضاعت الطاسة” كما يقول اللبنانيون بين عناوين لا حصر لها، ظهرت كلها خلال السنوات الأخيرة من عمر الأزمات العربية وخصوصا السورية منها .. حتى أن صحافيين لم يكن ليعرفوا أنهم كتاب أصابتهم الشهرة، فصاروا يدلون بآرائهم الجازمة على أساس أنهم وصلوا إلى قراءة الغيب العسكري والسياسي وإلى الجلوس مع أهل الشأن الذين هم أهل المعلومات، بل الحسم.

صنعت المؤامرة على سوريا أسماء وعناوين وصفات لا حصر لها وأكثرهم ممن لا يكتبون في صحف ومجلات. وبسرعة انتشرت بينهم عناوين جديدة على عناوينهم الأساسية وهي صاحب مركز فكري أو إعلامي أو صحافي أحيانا يتعدى لبنان أو العالم العربي إلى العالم.
كان هيكل يختار المكان الإعلامي الذي يطل منه بدقة ومعرفة .. فيما يقال إن بعض هؤلاء الإعلاميين هم من يعمل على الغمز لأصدقاء لهم أن يطلوا من هذا المكان أو ذاك إذا طالت مدة غيابهم عن المشهد.
في الغرب لا يدعي إعلامي أنه يحمل الصفة الفلانية، فيما يتحمس من يضيفهم من أقنية تلفزيونية على وضع العنوان الفاقع بجانب اسمه. أما كلمة “مفكر” فلا يستعملها الغربي بل يأبى استعمالها، فيما نجد تداولها بين العرب دون التفكير بمضمونها وأبعادها الحقيقية وما تعنيه وقيمة “المفكر” العلمية وإضافاته المميزة في حقل اختصاصه، وخصوصا في المجال الإعلامي أو السياسي أو الاقتصادي وغيره من الاختصاصات.
نحن أمام “شوربة” إعلامية، ويا لحسن حظ من تعجب به المحطة أو له أصدقاء فيها .. بل يا له من حظ مليح لكل من هو قريب من سياسة المحطة التلفزيونية كي يتحول إلى دائم الحضور فيها ويتم دائما استعمال كلمة “المعروف” تشهيرا به.

هو ركوب الموجة على كل حال .. لعل من “حسن” حظ هذا البعض أن ثمة أزمات في المنطقة العربية، وخصوصا في سوريا تجعلهم أصحاب رأي فيها، وبالتالي ضيوفا مرغوبين .. ومن مآثر الإطلالات التفزيونية، بل إن التفزيون هو الأسرع في صناعة “النجوم” في كل الحقول ومن ضمنها السياسة والاقتصاد، حتى أن بعضهم يتنقل بين القرى والبلدات على إيقاع محاضرات وندوات يقيمها هنا وهناك طارحا آراءه التي تعجب الجمهور، ولا تسل بالتالي عن التصفيق والإشادة والولائم.
أخبرني أحد المسؤولين أننا نحن لا علاقة لنا بما يفكر به المطلون إعلاميا، كلامهم شأنهم، لكننا نحترم أفكارهم ونقدر مواقفهم، ونعلي من قيمتها في خدمة معاركنا المصيرية. أما التصنيفات التي تقصد فتعود للمحطات ولهم.

عن wessam

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

واشنطن بوست: حرب السعودية والإمارات في اليمن عزَّزت قوة “القاعدة”

قالت صحيفة “واشنطن بوست” إن الحرب التي يقودها تحالف العدوان السعودية والإمارات في اليمن سمحت ...