الرئيسية / من الصحف / هرولة تطبيعية عربية نحو دولة الاحتلال

هرولة تطبيعية عربية نحو دولة الاحتلال

بقلم :- راسم عبيدات
“الكنيست” الصهيوني اعتبرت المقاطعة بمثابة تهديد استراتيجي لإسرائيل وليس تهديد سياسي،وواضح بأن حالة كبيرة من القلق والإضطراب والخوف والإرتباك تسود دولة الإحتلال وحكومتها تجاه مكانة اسرائيل الدولية في ضوء النداءات والمطالبات المتكررة بفرض العقوبات والمقاطعة الدولية عليها،نتيجة الإحتلال والإستيطان الإستعماري وجدار العزل والضم العنصري وسياسة الفصل العنصرية “الأبارتهايد”،وما ترتكبه من جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني،ولم تعد اسرائيل تتعامل مع هذا الملف بإستهتار وبدون إكتراث،بل أصبح خطر المقاطعة الدولية لدولة الإحتلال يوازي خطر إمتلاك ايران للسلاح النووي،أي ان المقاطعة أصبحت بمثابة خطر وجودي على دولة الإحتلال.
وفي هذا الوقت بالذات التي تتنامي فيه المقاطعة لدولة الاحتلال على الصعيد الدولي، في ظل الهبة الشعبية الفلسطينية المتصاعدة،وتنكشف فيه حقيقة هذه الدولة كدولة كونيالية عنصرية تتنكر لوجود شعبنا الفلسطيني وحقه بالعيش بحرية وإستقلال كباقي شعوب العالم،وجدنا بأن جزء من النظام الرسمي العربي المنهار،وبالذات الخليجي منه،هو من يمد لها طوق النجاة،من خلال إنتقال العلاقات والتعاون والتنسيق والتحالف في الجوانب الأمنية والإستخباراتية والسياسية والتجارية والإقتصادية بين تلك الدول و”اسرائيل” من السر إلى العلن،وطبعاً شهدنا حتى في ظل القرار الأمريكي بإعتبار القدس عاصمة لدولة الاحتلال،بأن هناك وفود تطبيعية قدمت من البحرين الى دولة الاحتلال.
ما يحصل الان من عمليات تطبيع بين دولة الإحتلال والعديد من البلدان العربية،تؤشر الى أن النظام الرسمي العربي،وصل مرحلة التعفن،وقبل الخوض في ذلك لا بد لي من الإجابة على سؤال تعريف مفهوم التطبيع،فالتطبيع بالمفهوم العام مع الاحتلال الإسرائيلي والذي بدأ الحديث عنه مع توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979 بأنه-“إقامة علاقات سياسية، اقتصادية ثقافية، واجتماعية، فنية، أكاديمية طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل قبل تحقيق السلام الشامل والعادل،وبالتالي فإن التطبيع مع إسرائيل يعني قيام علاقات طبيعية في واقع وشروط غير طبيعية.
ومن الهام جداً القول بأن التطبيع مع إسرائيل بعد أوسلو، قد اختلف بشكل كبير جداً عن مرحلة ما قبل أوسلو، فأسلو كبل الجانب الفلسطيني بالكثير من القيود السياسية والاقتصادية والأمنية على وجه الخصوص، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يحظر على الطرف الفلسطيني القول العدو الإسرائيلي، واستبدال ذلك بالطرف الآخر، وعدم وصف من يقتلون في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالشهداء، وكذلك في الجغرافيا الفلسطينية، يحظر على الفلسطينيين في منهاجهم الدراسي، القول بأن مدن عكا ويافا واللد والرملة وغيرها من مدن الداخل الفلسطيني- 48- مدن فلسطينية، كما أن اتفاقية باريس الاقتصادي، تلزم الطرف الفلسطيني بإقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة، وكذلك إقامة علاقات بين المؤسسات والاتحادات الشعبية الفلسطينية والإسرائيلية وغيرها.
ان الداعين إلى التطبيع مع إسرائيل عرب وفلسطينيين، ينطلقون في دعوتهم بأنه علينا أن نكون -“واقعين وعقلانيين-” وأن نتعامل مع الواقع، وأنا أرى أن مرد ذلك يعود الى ثقافة الهزيمة، ثقافة الاستسلام والتسليم بالأمر الواقع، التي أرسى دعائمها الراحل السادات بالقول أن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا وإسرائيل، ومن جاؤوا بعده من قيادات النظام الرسمي العربي، صاروا على نفس النهج، وأرسو مدرسة تطبيعية عنوانها الخنوع والاستسلام، مدرسة التفاوض من أجل التفاوض، وأي تفكير أو بحث خارج عن هذا الإطار، هو تطرف وعدم عقلانية وواقعية و-“إضرار بالمصالح العربية-“، وخصوصا واننا في هذه المرحلة نشهد حالة غير مسبوقة من “الإندلاق” العربي الرسمي للتطبيع مع اسرائيل بشكل مشرعن وعلني على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
اذاً التطبيع هنا يصبح آلية سياسية وثقافية واقتصادية تستهدف القفز عن الجذور والأسباب التاريخية للصراع وأيضاً التعامل مع نتائج الأمر الواقع باعتبارها معطيات طبيعية، بمعنى تكريس نتائج الحروب العدوانية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني والأمة العربية والقبول بتلك النتائج باعتبارها حقوق إسرائيلية مكتسبة.

ولعل أخطر ما تحمله وتهدف إليه سياسة وثقافة التطبيع هو فرض التعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية وكأن الصراع معها انتهى، وهذا جوهر ما قامت وتقوم عليه خطة الرئيس الأمريكي “ترامب” ما يعرف بصفقة القرن التطبيع الشامل العلني والمشرعن مع العالم العربي، مقابل تحسين شروط وظروف حياة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، أي تشريع وتكريس الاحتلال وتأبيده ” السلام الاقتصادي”، وأبعد من ذلك توفير الغطاء السياسي والثقافي لذلك الاحتلال ونزع الأبعاد السياسية والثقافية والأخلاقية عن شرعية النضال الفلسطيني لإنهاء الاحتلال. وفيما نشهده من حالة انهيار عربي رسمي غير مسبوقة نحو تطبيع علاقاته مع اسرائيل، وحالة “توهان” وضعف وانقسام وتضارب مواقف ومصالح واختلاف المنطلقات وتعدد مصادر القرار فلسطينياً، بات البعض عندنا يعتقد بان كل شيء مباح، وان من يقف ضد التطبيع وشرعنته، يغرد خارج السرب، وفي رأسه “ميه عتيقه”، وفاقد للبوصلة والاتزان ومصاب بعمى ألوان وضبابية الرؤيا.
ولذلك ضمن هذه الرؤيا فنحن نرى بأن الزيارة التي قام بها مجموعة من الصحفيين العرب خمسة منهم مغاربة وسوري وعراقي ويمني وكردي،الى دولة الاحتلال الصهيوني بدعوة من وزارة الخارجية الإسرائيلية،وكذلك سماح مشيخة النفط السعودي،والتي أصبحت عرابة التطبيع العربي- الإسرائيلي،للطائرات المدنية القادمة الى دولة الاحتلال بإستخدام اجوائها،كما حدث ذلك مع شركة الخطوط الجوية الهندية بالسماح لها بإستخدام الأجواء السعودية للوصول الى دولة الإحتلال،هو شكل من أشكال التطبيع،وفك العزلة عن مقاطعة وعزل دولة الإحتلال التي تتفاقم على المستوى الدولي،نتيجة استمرارها بإحتلال أرض الشعب الفلسطيني والجولان السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية،وهو يشكل شرعنة لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال على حساب حقوق شعبنا الفلسطيني،وقلب لما يسمى بمبادرة السلام العربية،التي اشترطت تطبيع العلاقات مع دولة الإحتلال،بإنسحابها من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967 .

القدس المحتلة – فلسطين
9/2/2018
0524533879
Quds.45@gmail.com

عن wessam

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عرس الدم الفلسطيني القاني

الـكـاتـب : عـبـد الـمـنـعـم عـلـي عـيـسـى   هو عرس الدم الفلسطيني القاني الذي يتراقص على ...